ابن عجيبة
379
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ ارتدوا عن الإيمان ، ثُمَّ ازْدادُوا في الكفر ، وقالوا : نتربص بمحمد ريب المنون ، لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ أي : لا توبة لهم فتقبل ، لأنه سبق لهم الشقاء ، أو لأنهم لا يتوبون إلا عند الغرغرة ، أو لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ما داموا على كفرهم . وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ المنهمكون في الضلالة . قيل : نزلت في أصحاب الحارث بن سويد المتقدم ، وكانوا أحد عشر رجلا ، لما رجع الحارث قالوا : نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا ، فمتى أردنا الرجعة رجعنا ، فلما افتتح النبي صلّى اللّه عليه وسلم مكة ، دخل في الإسلام بعضهم ، فقبلت توبته ، وبقي من بقي على كفره ، فنزلت الآية فيهم . وقيل : نزلت في اليهود ، كفروا بعيسى بعد إيمانهم بأنبيائهم ، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وقيل : نزلت في النصارى كفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم بعد إيمانهم بعيسى ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بإصرارهم عليه . وقيل : نزلت في الفريقين معا ، كفروا بنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم بعد إيمانهم به قبل ظهوره ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بتمردهم فيه ، وتماديهم على المعاصي . والله تعالى أعلم . الإشارة : اعلم أن من دخل طريق التربية ، وأخذ في تهذيب نفسه وتطهيرها من المساوئ وأوساخ الحس ، ثم غلبته القهرية ورجع عنها ، فإن تاب قريبا ورجع إليها سهل عليه الرجوع ، ورجى نجحه وقبلت توبته ، وإن استمر على رجوعه عنها حتى ألفت نفسه البطالة ؛ لن ترجى توبته وصار من الضالين ، فمثله كآنية ، فرّغت منها لبنا أو عسلا ، وعمرتها بالقطران ، فإن بادرت بإهراقه منها قريبا سهل غسلها ، وإن أمهلتها حتى صبغ فيها عسر غسلها ، وتعذر زوال رائحته منها . [ فإن مات على رجعته فلا يحشر في الآخرة مع أهل هذه الرفقة ، ولو شفع فيه ألف عارف ، بل من كمال المكر به أن يلقى شبهه في الآخرة على غيره ، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو ، فلا يخطر بباله أنه يشفع فيه ] . قاله القشيري . قال المحشى : وما ذكره ربما ينظر إلى قضية الخليل مع أبيه ، حين يلقاه وعليه القترة ، فيريد الشفاعة له ، فيمسخ ذيخا « 1 » متلطخا - أي : خنزيرا - فينكره ، كما في الحديث الصحيح ، فتذكر واعتبر . ه . وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم ذكر من مات على كفره ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 91 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 91 )
--> ( 1 ) الذيخ - بكسر الذال بعدها ياء ساكنة - : ذكر الضباع . والجمع : أذياخ وذيوخ وذيخة . وأراد بالتلطخ : التلطخ برجيعه أو بالطين .